Monday, 21 May 2018
A+ R A-

مِنْ أَمْرَاضِ القُلُوبِ الرِّيَاءُ

Listen to this Speech in English: Riya\', a Disease of the Heart

 

الحمدُ للهِ نَلُوذُ به فى السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، ونعوذ به من الشِّرْكِ والرِّيَاءِ* والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنبياءِ* وعلى ءاله وصحبه وتابعيه الأصفياءِ* أمَّا بعدُ عبادَ الله، فإنِّى أُوَصِّيكُم ونفسِىَ بتقوَى الله جَلَّ وَعَزَّ  القائلِ فى كتابه العزيز: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ (التوبة)

ثم إنَّ رسولَ الله ﷺ قال فيما رواه الشَّيخان: "أَلَا وَإِنَّ فِى الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِىَ القَلْبُ." فأخبَرَنا رسولُ الله ﷺ أن القلب قد يفسد، أى أن له أمراضًا. وبما أنه أميرُ الجوارح فإنَّ فسادَه يُؤَثِّر فسادًا  على الجسد كلِّه. والقلب سريعُ التقلُّب جِدًّا، فهو أسرعُ تقلُّبًا من الماء الذى يغلِى فى القِدْر. لذا كان لزامًا علينا أن نراقب قلوبَنا حافظين لها من الأدواء والأمراض التى قد تصيبها والتى لا يداويها أطباء الدنيا. 

ومن الأمراض التى قد تصيب القلوبَ الرِّياءُ. والرِّياءُ خطرُه عظيم لأنه يدِبُّ إلى القلب دبيبًا هو أخفَى من دبيب النملةِ السَّوداء على الصخرة الملساء فى الليلة الظلماء.  والنجاة منه تحتاج لجهد كبير ومراقبةٍ للنفس شديدة.

والرِّياءُ بأعمال البِرِّ هو العَمَلُ لأجلِ الناس أى ليمدحوهُ، ويُحبطُ ثوابَ العمل. يقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ ﴾ (البقرة ٢٦٤). فمن صلَّى أو صام أو حجَّ أو قرأ القرءان أو تصدَّق أو أحسن الى الناس بقصْد أن يمدحَه الناس وبقصْد إجلالِ الناسِ له لا ثواب له، بل عليه إثمٌ كبير بمراءاته.

ويقول جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ (الكهف). فالمُراد بالشرك فى هذه الآية هو الشِّرْكُ الأصغر وهو الرِّياء. فإن النبىَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ." قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الرِّيَاءُ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِىَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِى الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً!" أخرجه أحمد. وقد سمَّى الرسولُ الرياءَ الشركَ الأصغرَ لأن الذى يعمل رياءً كأنه أشرك بالله تعالى. ففى ذلك دِلالةٌ على عُظم ذنب المُرائِى. فهو من كبائر الذنوب وليس مما يخرج من الإسلام.

وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تبارك وتعالى: "أنَا أغنَى الشُّرَكاءِ عن الشِّرْكِ. مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيه معِى غَيرِى تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ."  رواه مسلم. أى أنا غنىٌّ عن أن يشاركنى غيرِى ، فمن عمل عملًا لى ولغيرى لم أقبله منه، بل أتركه لذلك الغير. فلا يليق بالله أن يُشْرَكَ به.

وفى لسان العرب: وراءَيْتُ الرجلَ مُراءاةً ورِياءً : أَرَيْتُه أَنِّى على خلاف ما أَنا عليه. قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ (النساء ١٤٢) يعنى المنافقين يصلون مراءاةً وهم متكاسلون متثاقلون أَى إذا صَلَّى المؤمنون صَلَّوْا معَهم يُراءُونهُم أَنَّهم على ما هم عليه. والرِّيَاءُ بابه واسع. فقد يكون بإظهار نُحُول وصُفرةٍ وتشعُّث وخفضِ صوتٍ ليُظَنَّ أنه شديد الاجتهاد فى العبادة ، وقد يكون بتقليل الأكل وعدمِ المبالاة بلِبسه  ليُظنَّ أنه مشتغلٌ عن لِبْسه بما هو أهمُّ، أو بإكثار الذِّكر وملازمةِ المساجد ليُظنَّ أنَّه زاهد ٌ مع أنه مفلسٌ من حقيقة الزُّهد. فإذا زاد على ذلك قصْدَ مَبرَّةِ الناس له بالهدايا والعطايا كان أسوأَ حالًا لأنَّ ذلك من أكل أموالِ الناسِ بالباطل. وقد يكون الرِّياءُ بطلب كَثْرةِ الزُوَّار له كأن يطلبَ من نحو عالِمٍ أو ذِى جاهٍ أن يزورَه ويأتىَ إليه إيهامًا لرِفعته وتبَرُّكِ غيرِه به. وقد يكون الرياء بذكر أنه لَقِىَ كثيرًا من أهل الفضل افتخارًا بهم وترفُّعًا على غيرِه.

روى النَّسائِىُّ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‏"‏ لاَ شَىْءَ لَهُ ‏"‏‏ فَأَعَادَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‏"‏ لاَ شَىْءَ لَهُ ‏"‏ ‏.‏ ثُمَّ قَالَ: ‏"‏ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُهُ ‏". فالرِّيَاءَ يُحبط ثوابَ العمل الذى قارنه سواء أكان جرَّد قصدَه للرياء أم قَرَنَ به قصْدَ طلبِ الأجر من الله تعالى. فالثواب والرياء لا يجتمعان. فمن يعمل رياء وسمعة فإنه يُحرم الثوابَ ويُكتب عليه ذنبٌ. حفظنا الله جميعًا من الرياء وما يُفسِد القلوبَ.  أقول قولِىَ هذا وأستغفر الله العظيمَ لى ولكم.

الحمد لله لا خَلاصَ من عذابه إلَّا بالإخلاص* والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وصَّانا بالإخلاص* وعلى ءاله وصَحبِه ومن تبعَ نهجَه بإخلاص* وبعدُ عبادَ الله اتقوا الله جَلَّ وَعَزَّ  وَاعِدَ الطائعِ ومُتَوَعِّدَ العاص*

روى الإمامُ مسلم ٌ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ قال: تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ) فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ أَهْلِ الشَّامِ[1] : أَيُّهَا الشَّيْخُ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: نَعَمْ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُّ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ. فَقَدْ قِيلَ (أخذتَ جزاءك فى الدنيا). ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْءانَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْءَانَ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْءَانَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ."

أخى المسلم، انظر نفسَك وراقب قلبك. إن رأيتَ نفسَك تقتصر على المكتوبات فى الخلوة حتى إذا كنتَ بين الناس اجتهدتَ فى رواتب المكتوبات، فسائلْ نفسَك لمَ تفعل ذلك. وإذا كنت تعجل فى صلاتك فى الخلوة باقتصارك على الأركان وتطيلها وتحسّنها بين الناس، سائلْ نفسك لمَ تفعل ذلك. هل أنت طالب بذلك للجاه والمنزلة فى قلوب الخلق ؟ وهل هذا أحبُّ إليك من منزلتِك عند الخالق؟ فالناس مخلوقون مثلك لا يخلقون نفعا ولا ضَرًّا، والله هو المُسَخِّر للقلوب بالمنع والإعطاء. فأىُّ غرضٍ لك فى إيثار ذَمِّ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ لأجل حمْدِهم لك، ولا يزيدُهم حمدُهم لك رزقًا، ولا يؤخِّرُ أجلًا، ولا ينفعُك يومَ القيامة؟

فداوِ قلبَك من الرياء واجعل رضا خالقِ الخير والشرِّ مبتغاكَ. وأخلِصْ نيتك لله ولا تُبالِ إن ذمَّك الناسُ أو مدحوك. فالخير كلُّه فى رضا الله. إذا صلَّيتَ فَصَلِّ لله، وإذا تصدَّقتَ فتصدَّقْ لله، وإذا حسَّنتَ خُلُقَك فحَسِّنْه لله، وإن تعلَّمتَ أو علَّمتَ فاجعله لله. فإن لم تفعل فيَا ضَيْعَةَ عُمُرِكَ ويا خسارَةَ وقتِكَ!

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. اللهم طَهِّرْ قلوبَنا من الرِّياء والنِّفاق والشِّقاق وسوء الأخلاق. اللهم ارزقنا الإخلاصَ والحكمةَ والشجاعةَ والصبرَ والصِّدقَ والأدبَ والتواضُعَ والاستقامةَ والتَّأَنِّى. اللهم ارزقنا الإخلاصَ فى الأمر كُلِّه.

الجمعة فلادلفيا ٧ جُمادَى الآخرة ١٤٣٩ هـ - ٢٣ شباط ٢٠١٨ر

 

 

[1] نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ الْحِزَامِىُّ الشَّامِىُّ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ. وَهُوَ تَابِعِىٌّ، وَكَانَ أَبُوهُ صَحَابِيًّا. وَكَانَ نَاتِلٌ كَبِيرَ قَوْمِهِ. شرْحُ مسلمٍ للنَّوَوِىِّ. وقال بعضهم: نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ الجذَامىُّ من سادات قبيلة جذَام بالشام.

 

 

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Donate to AICP

Support AICP of North America. Please consider supporting our efforts. AICP is charged a minimal fee for your donation. Fee Structure for donations are: $0 to $100K is 2.2% plus $0.30 per transaction.

:

Search

Listen to the Qur'an

Please update your Flash Player to view content.

Ramadan, Tranquility & Serenity

If you shop at Amazon.com, use this link when you shop:


Amazon donates 0.5% of the price of your eligible Amazon Smile purchases to AICP

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط